الثعالبي

74

لباب الآداب

الآذان فتمجُّها ، وتنكرها الطباعُ فترجُّها ، كلامٌ لا يرفع السَّمْعُ له حِجاباً ، ولا يفتح القلبُ لوفوده باباً ، كلامٌ يُصدي الريَّان ، ويصدىءُ الأفهام ، كلام تُعمَل فيه حتّى تبدَّل ، وتكلِّفَ حتى تعسَّف ، طبع جاسٍ ولَفْظٌ فاشٍ ، كلام كأنّهُ ثَمرٌ قُطِفَ قبل أوانِهِ ، وشرابٌ بزُلَ قبل إبّانِهِ ، كلامٌ بمثلهِ يتسلّى الأخرَسُ عن كلمِهِ ، ويفرحُ الأصم بِصَمَمِهِ ، بمثل ذلك الكلام رزق الصَّمْتَ المحبة ، وأعطى الإنصات الفضيلة ، لفظٌ رَثٌّ ، ومعنىً غَثّ ، كلام لا طائل فيهِ ، ولا طلاوة عليهِ . ذَمُّ الكاتِب قد صدىء فَهْمُهُ ، وتبلَّدَ طَبْعهُ ، وتكدَّرَ خاطِرُهُ ، الخرس أَحْسنُ من كلامه ، والعيّ أبلغ من بيانِهِ ، خاطره ينبو ، وقلمه يكبو ، فلانٌ كليلُ شَفرة الكلامِ ، سريعُ وقع الأقلام ، قصير رِشاءِ اللسان ، قريب غَوْر البيان ، يسهو ويغلط ، ويخطىء ويسقط ، هو في الأدب دَعى النَسَب ، وهو في الكتابة ضَيِّق المضطرب ، سَيّىءُ المنقَلَب ، فلان قاصِرُ سعيِ البلاغةِ ، قصيرُ باعِ الكِتابة . ذَم الشِّعر والشاعر أبيات لَيستْ من محكم الشَعْرِ وحكمه ، ولا من أحرار الكلام وغرره ، شِعْر ضعيف الصِّيغة ، رديء الصَّنعةِ ، قد جمع فيه بين إقواءٍ وأخطاءٍ وإبطاءٍ ، لو شعر بالنقص ما شَعَرَ ، ما قطع شِعْرُهُ شَعَرَه ، ولا سقى قطره ، هو من بين الشعراء ، منبوذٌ بالعراءِ ، شاعِرٌ باردُ العبارةِ ، ثقيلُ الاستعارة ، بَغِيضُ الإشارةِ ، شعرُه لم يلبس حُلّة الحلاوة ، ولم يُطل بالطلاوة .